
"اقتصاد" يجري جردة حساب لأبرز معالم الحكومة الجديدة ورؤى وزرائها
- بواسطة خاص - اقتصاد --
- 30 آذار 2025 --
- 0 تعليقات
أُعلن في قصر الشعب بالعاصمة دمشق، ليل أمس السبت، تشكيلة الحكومة السورية الجديدة المكوّنة من 22 وزيراً، والتي يترأسها، الرئيس أحمد الشرع، بنفسه. إذ أُلغي موقع رئيس مجلس الوزراء، بموجب الإعلان الدستوري الناظم للمرحلة الانتقالية في سوريا.
ورصد "اقتصاد" الخطوط العريضة والنقاط الملفتة التي وردت في كلمات الوزراء المكلفين داخل تشكيلة أول حكومة سورية في المرحلة الانتقالية المحددة بـ 5 سنوات. ومن هذه الكلمات، استنبط "اقتصاد" أبرز رؤى الوزراء الجدد، وتصوراتهم حيال مسار عملهم وأهدافهم، في الفترة القادمة.
وقد اشترك معظم الوزراء بجملة نقاط أشاروا إليها. أبرزها، التشاركية مع القطاع الخاص ودعم عمله، وخلق بيئة آمنة وجذّابة للاستثمارات المحلية والعربية والعالمية، واستقطاب الكفاءات السورية في دول المهجر، والشفافية والمساءلة والمصارحة، والتحوّل الرقمي، والتنمية المستدامة.
وكان من الملفت دمج ثلاث وزارات اقتصادية رئيسية، هي الصناعة والتجارة الداخلية والاقتصاد (التجارة الخارجية)، في وزارة واحدة، باسم، وزارة الاقتصاد والصناعة، التي تصدّرها الوزير نضال الشعار.
والوزير الشعار، وزير سابق، إذ شغل منصب وزير الاقتصاد والتجارة في عهد النظام البائد، بين عامي 2011 و2012، قبل أن ينسحب من المشهد الحكومي "الأسدي"، ويغادر البلاد. وهو من مواليد حلب، يحمل درجة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة جورج واشنطن. وشغل موقع مستشار اقتصادي في البنك الدولي، وباحث في وزارة الإسكان الأمريكية. كما شغل مواقع تخصصية في المؤسسات المالية الإسلامية بالبحرين، كما وشارك في تدريب موظفين في بورصات سنغافورة ودبي وأبوظبي.
وكانت أبرز النقاط التي احتوتها رؤيته، دعم قطاع التدريب المهني لرفد سوق العمل، ونسج الشراكات الاقتصادية، والانفتاح الاقتصادي. وقال الوزير بضمير الفريق الوزاري كاملاً، "نطمح لبناء دولة طبيعية مسالمة وصديقة للجميع، ترتكز على مبادئ حسن الجوار والاحترام المتبادل"، إلى جانب إشارته إلى "التعاون والحوار مع مختلف الدول بهدف الاستقرار والتنمية".
كذلك كان لافتاً دمج وزارتين هما، الكهرباء، والنفط والغاز، لتصبحا وزارة واحدة، باسم وزارة الطاقة، تم تسمية محمد البشير، وزيراً لها.
والبشير هو رئيس حكومة تصريف الأعمال المشكّلة بعد إسقاط نظام الأسد. وقبلها كان رئيساً لحكومة "الإنقاذ" التي كانت تدير منطقة إدلب والأرياف المتاخمة لها، الخاضعة لسيطرة "هيئة تحرير الشام – سابقاً". ويحمل البشير إجازة في الهندسة الكهربائية والإلكترونية، قسم الاتصالات، من جامعة حلب عام 2007. كما حصل على إجازة في الشريعة والحقوق من جامعة إدلب عام 2021. وقبل عام 2011، عمل البشير رئيساً لقسم أجهزة الاتصال الدقيقة في معمل الغاز التابع للشركة السورية.
ويُعتبر البشير مقرّباً من رئيس الجمهورية، أحمد الشرع، مما يؤشر إلى اهتمام هذا الأخير بقطاع الطاقة، الذي يشكّل عصب الاقتصاد، وأكبر تحدياته الراهنة في سوريا، وأحد أكثر القطاعات المدرّة للربح.
وركّزت رؤية البشير على إعادة تأهيل البنية التحتية لقطاع الطاقة، وتشجيع الاستثمار الخاص، والتركيز على مصادر الطاقة البديلة، وتعزيز التعاون العربي والإقليمي والدولي.
ومن الوزراء الذين سبق لهم العمل في ظل نظام الأسد، وزير النقل، يعرب بدر، الذي شغل موقع وزير النقل من 2006 حتى نيسان 2011. وهو من الطائفة العلوية. ويحمل درجة الدكتوراه في علوم النقل من المدرسة الوطنية للجسور والطرق في باريس. ومنذ العام 2014، يعمل بدر كمستشار إقليمي للنقل واللوجستيات في لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا).
وكان من أبرز نقاط رؤيته للعمل بوزارته، الحديث عن استعادة الربط الإقليمي للسكك الحديدية عبر سوريا، وتطوير النقل السككي للأفراد والبضائع عبر زيادة سرعة القطارات ومواعيدها. كما تحدث عن تحسين النقل داخل المدن، وعن مشاريع من قبيل "الترمواي" و"الميترو".
ومن الوزراء ذوي الخلفية المهنية الملفتة، وزير السياحة، مازن الصالحاني، الذي يحمل دبلوم الدراسات العليا في إدارة الأعمال من كلية البحيرات العظمى للعلوم والتكنولوجيا، أونتاريو – كندا، وماجستير علوم في إدارة المشاريع من جامعة ويست كليف – كاليفورنيا، الولايات المتحدة الأمريكية. ووفق تقرير لموقع "تلفزيون سوريا"، شغل الصالحاني منصب رئيس مجلس الإدارة، وشارك في تأسيس مجموعة من الشركات في قطر والسعودية وتركيا والجزائر وسوريا. ومن بين المشاريع الكبرى التي أدارها: منتجع سلوى، مول قطر، فندق بنتلي الفاخر، جزيرة جيوان، منتجع أنانتارا، فندق هيلتون، فندق ماريوت، فندق شيراتون، فندق ذا نيد، فندق النجادة، مستشفى ذا فيو، فندق الريان (فنادق ومنتجعات LXR)، ومترو قطر. ومن المشاريع الدولية التي شارك فيها: فندق والدورف أستوريا في المالديف، مدينة القدية المائية في السعودية، ومجمع وفندق بالم فيليدج في سوريا.
وكان أبرز ما تحدث عنه في رؤيته للعمل بالفترة القادمة، استقطاب أبرز العلامات الفندقية للعمل في سوريا، عبر توفير بيئة استثمارية جذّابة.
وعلى غرار وزير السياحة، نجد وزير الاتصالات، عبد السلام هيكل، الذي يعد من رواد الأعمال في مجالي الإعلام والتكنولوجيا. وقد أسس مجموعة تضم شركات متخصصة في التحول الرقمي. ووفق "تلفزيون سوريا" أيضاً، يحمل هيكل شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية من الجامعة الأمريكية في بيروت، ودرجة الماجستير في العلاقات الدولية من كلية الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS) بجامعة لندن. وفي عام 2009، اختاره المنتدى الاقتصادي العالمي ضمن قائمة "القادة العالميين الشباب"، ليكون أول سوري ينال هذا اللقب، كما حصل في عام 2014 على "جائزة الإبداع الإعلامي" من مؤسسة الفكر العربي. وأسس شركة "هيكل ميديا"، التي تدير منصات إعلامية رقمية، من بينها النسخ العربية لمجلات عالمية مثل "هارفارد بزنس ريفيو"، و"إم آي تي تكنولوجي ريفيو"، و"بوبيولار ساينس".
وتحدث هيكل في رؤيته للعمل في وزارته، عن هدف تحويل سوريا إلى عقدة اتصالات إقليمية، وعن الرهان على الشفافية والنزاهة، والتعاون الوثيق بين القطاعين العام والخاص.
ومن التكنوقراط ذوي الخبرة الدولية، نجد وزير المالية، محمد يسر برنية، الذي يحمل إجازة من كلية الاقتصاد في جامعة دمشق، وقد تابع دراساته العليا في الاقتصاد بجامعة ولاية كنساس الأمريكية وجامعة ولاية أوكلاهوما خلال الفترة ما بين 1990 و1994، وتدرّب في البنك الاحتياطي الفدرالي الأمريكي في نيويورك عام 1996. وانضم إلى صندوق النقد العربي كاقتصادي في عام 1996، وخلال الفترة ما بين 2004 و2007 ساهم في إنشاء هيئة الأوراق والأسواق المالية السورية وسوق دمشق للأوراق المالية. وشغل برنية عدة مناصب في صندوق النقد العربي خلال الفترة من 2009 وحتى 2024، منها مدير دائرة السياسات الاقتصادية.
وكان لافتاً إشارة برنية في حديثه عن رؤيته للعمل في وزارته، إلى مراجعة سياسات الدعم والخروج منها، وتوجيه الدعم لمستحقيه. وهي مؤشر على أن الحكومة الجديدة تسير باتجاه التخلص من عبء الدعم الاجتماعي وتكاليفه الثقيلة على كاهل الخزينة الحكومية شبه المفلسة.
ومن أصل 22 وزارة، حصلت خمس شخصيات مقرّبة من الرئيس الشرع، ومن رموز "هيئة تحرير الشام – سابقاً"، على مواقع وزارية. ثلاثة منهم، كانوا في تشكيلة حكومة تصريف الأعمال المشكّلة بعيد إسقاط النظام السابق. وهم، وزير الخارجية أسعد الشيباني، ووزير الدفاع مرهف أبو قصرة، ووزير الطاقة محمد البشير (الذي كان رئيس حكومة تصريف الأعمال). وتقدّمت إلى الواجهة شخصيتان. الأولى، وزير الداخلية أنس خطاب، الذي ترأس جهاز الاستخبارات منذ إسقاط النظام. ومن غير المعلوم بعد إن كانت شخصية أخرى ستترأس جهاز الاستخبارات بدلاً عن خطاب، أم أن الجهاز سيُلحَق بوزارة الداخلية، ليصبح جزءاً من صلاحيات أوسع، سيتمتع بها أبرز أمنيي "هيئة تحرير الشام – سابقاً". والشخصية الثانية، وزير العدل، مظهر الويس، أحد أبرز شرعيي "تحرير الشام – سابقاً"، وهو عضو في مجلس الإفتاء الأعلى أيضاً. وقد أثار تعيينه بهذا الموقع، قلق شريحة من المراقبين، جراء المخاوف من "أسلمة" الفضاء القضائي السوري، بصورة تخدم تعزيز نفوذ الدائرة الضيّقة المقرّبة من الرئيس، والمتحدّرة من خلفية "سلفية" كانت تقود "تحرير الشام – سابقاً".
إلى جانب الشخصيات الخمس سابقة الذكر، تضمنت الحكومة الجديدة، ثلاث وزارات احتلها وزراء من تكنوقراط حكومة "الإنقاذ" السابقة، التي كانت تدير إدلب، في ظل سيطرة "تحرير الشام – سابقاً". وهم، وزير الإدارة المحلية والبيئة، محمد عنجراني، الذي شغل منصب الأمين العام في وزارة الأوقاف بحكومة الإنقاذ سابقاً، ورئيس الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش فيها. وهو يحمل إجازة بالهندسة الميكانيكية. وقد كُلّف بتسيير أعمال وزارة الإدارة المحلية والبيئة عقب سقوط نظام الأسد.
إلى جانب وزير التنمية الإدارية، محمد حسان سكاف، الذي سبق أن شغل مواقع إدارية متعلقة بالموارد البشرية والهياكل التنظيمية وإدارة الأصول الثابتة، في حكومة الإنقاذ – سابقاً. وكان لافتاً حديث سكاف عن إنشاء منصة رقمية لجذب كل متميّز يرغب في بناء بلده، والرهان على رأس المال البشري، وإنشاء نظام حوافز واضح وشفاف يشمل بناء مسار وظيفي عادل، ويساهم في خلق بيئة عمل صحية.
وفي التشكيلة الحكومية، نجد أيضاً وزير الأشغال العامة والإسكان، مصطفى عبد الرزاق، الذي سبق أن عمل مديراً عاماً في المديرية العامة للأشغال والطرق في حكومة الإنقاذ بين عامي 2024 و2025، كما عمل في قسم المشاريع الهندسية في معبر باب الهوى بين عامي 2017 و2019، وأشرف على تنفيذ عشرات المشاريع في شمال غربي سوريا.
ومن التعيينات التي حصدت حالة أشبه بالإجماع الإيجابي، هو إحداث وزارة جديدة، تعُنى بالطوارئ والكوارث، والتي أُسندت إلى رائد الصالح، المدير السابق لمنظمة الدفاع المدني السوري المعروف بـ "الخوذ البيضاء". وهو ما عبّر عن طريقة تفكير مختلفة لمواجهة التحديات الطبيعية وتلك الناجمة عن الصراعات والاستهدافات المسلحة.
وقد كُلّف حمزة المصطفى، بوزارة للإعلام. وهو مدير مؤسسة تلفزيون سوريا، منذ نحو خمس سنوات. والذي مثّل أبرز مؤسسات الإعلام المعارض قبيل سقوط النظام. وتحدث المصطفى عن رؤيته في موقعه الجديد، مشيراً إلى تفعيل الإعلام الرسمي لمواجهة الشائعات والمعلومات المضللة، متطرقاً لحرية التعبير، ومنوهاً لتفعيل المكاتب الإعلامية في الوزارات المختلفة، وإعادة ربطها ببعض، لتكون قادرة على تقديم المعلومة اليومية الدائمة للمواطن حتى يتمكن من ممارسة دوره الرقابي، حسب وصفه.
وكان لافتاً، إشارة أكثر من وزير إلى أهمية الرقم الإحصائي، وبناء قاعدة بيانات موثوقة، في مختلف القطاعات، خاصة الاقتصادية منها.
وفي الختام، تواجه أول حكومة سورية في المرحلة الانتقالية، تحديات كبيرة، أبرزها التحدّي الأمني، وسط تحذيرات غربية من احتمال وقوع هجمات "إرهابية" من جانب تنظيم "الدولة الإسلامية – داعش"، وفلول النظام، خلال عطلة عيد الفطر. إلى جانب تحدّي إقناع دول الإقليم والقوى الدولية المؤثرة، بتقديم الدعم للحكومة الانتقالية، للنهوض بسوريا، إعمارياً واقتصادياً. دون أن ننسى تحدّي تصاعد الاستفزازات الإسرائيلية التي تستهدف إجهاض مساعي تشكيل الدولة السورية الجديدة. إلى جانب مخاوف لا يمكن تجاهلها، بخصوص مؤشرات الاستئثار بالسلطة من جانب المقرّبين من الرئيس أحمد الشرع، من رموز وقيادات "هيئة تحرير الشام – سابقاً".
ويبقى الرهان على النخب المميزة التي ضمتها التشكيلة الحكومية الجديدة، في التصدّي لدورها التاريخي الذي ارتضته، للإقلاع بسوريا من قاع الهشاشة الذي وصلت إليه في ظل النظام البائد.
التعليق